: ينبني الموقف
الشرعي على عدة قواعد ثابتة
نوجزها فيما يلي
- حرمة
الأنفس وعصمتها : قال تعالى :
(( ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق ))
. سورة الأنعام
الآية 151
- وللجنين نفس ،
وهي تمر بمراحل وأطوار ، وتزداد
حرمتها مع مرور الأيام ، حتى إذا
نفخت الروح بلغت أوج حرمتها ،
قال الإمام الغزالي في الإحياء :
( وليس هذا - أي العزل - كالإجهاض
والوأد ، لأن ذلك جناية على
مولود حاصل ، وأول مراتب الوجود
أن تقع النطفة في الرحم ، وتختلط
بماء المرأة ، وتستعد لقبول
الحياة ، وإفساد ذلك جناية ، فإن
صارت نطفة فعلقة كانت الجناية
أفحش ، وإن نفخ فيه الروح واستوت
الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً .
ومنتهى التفاحش في الجناية هي
بعد الإنفصال حياً ) .
- وقد استدل
الفقهاء على تحريم إسقاط الجنين
في المراحل الأولى ( قبل نفخ
الروح ) بقياسه على تحريم كسر بيض
الحرم بالنسبة للمحرم . ومن كسر
بيض الحرم أو أفسده فعليه إثم ،
وعليه إيضاً جزاء.
- وقد دعا الإسلام
للمحافظة على هذا الجنين ، وأباح
للحامل الفطر في شهر رمضان ،
وإذا خشيت على جنينها ، كما أن
العقوبات البدنية ( الحدود )
المستحقة على الحامل تؤجل حتى
تضع حملها ، وما ذلك إلا حرصاً
على هذا الجنين . ومعلوم حديث
الغامدية التي اعترفت بالزنا ،
وهي حامل ، فأبى الرسول الكريم
الشفيق الرحيم صلى الله عليه
وسلم أن يحدّها حتى وضعته ،
وأرضعته ، وفطمته ......... وكذلك
حديث المرأة من جهينة التي أبى
النبي أن يحدّها وهي حامل بعد أن
أعترفت بالزنا .
- وللجنين في
الإسلام ، أهلية وجوب ناقصة : له
حقوق كثيرة وليس عليه أي واجب من
الواجبات ، ولو مات مورّثه حجز
نصيبه من التركة حتى يخرج من
ظلمة الرحم ، كما يثبت له حق
الإنفاق ، وحق النسب من أبيه ،
وتمتنع أمه من الزواج ( بعد موت
أو طلاق ) حتى تلده حفاظاً على
هذا النسب .
- يعتبر وقت نفخ
الروح علامة فارقة وهامة ،
وتتضاعف العقوبة على قتل هذا
الجنين بعد نفخ الروح .... نورد
هنا حديثين صحيحين :
- الحديث الأول :
أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
قال : حدثنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ،
قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه أربعين
يوماً ، ثم يكون في ذلك علقة مثل
ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل
ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه
الروح ) .
- الحديث الثاني :
أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن
أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : ( إذا مر
بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث
الله ملكاً فصوّرها ، وخلق سمعها
وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ،
ثم قال : يارب أذكر أم أنثى ؟
فيقضي ربك مايشاء ، ويكتب الملك
، ثم يخرج الملك بالصحيفة من يده
فلا يزيد على ما أمر به ولا ينقص ) .
- ولا شك أن الجنين
يمر بمراحل متعددة أثناء نموه ،
وتعتبر مرحلة الأربعين مرحلة
ذات أهمية بالغة ، والتي تمثل
تكوّن الأعضاء المختلفة ، بينما
تمثل مرحلة 120 يوماً ( منذ
التلقيح ) مرحلة أشد أهمية ، حيث
أظهرت الأبحاث الحديثة أن
المناطق المخية العليا تبدأ في
السيطرة على المناطق التي تحتها
، وتبدأ التشابكات العصبية ،
ويمكن تسجيل رسم الدماغ ( تخطيط
المخ ) من الجنين في هذه الفترة .
- وبما أن حساب
الحمل عند أخصائي التوليد ، يحسب
من آخر حيضة حاضتها المرأة ، لا
من بداية التلقيح ، فإن 120 يوما
من بداية التلقيح ، تساوي 134 يوما
من آخر حيضة حاضتها المرأة ،
وذلك يساوي 19 أسبوعاً ويوماً
واحداً ، أي بداية الأسبوع
العشرين .
- ولذا فإن ما جاء
في الحديثين الشريفين يدل على
إعجاز طبي عظيم ، ففي حديث حذيفة
أخبرنا المصطفى أن الذكورة
والأنوثة يحددها الملك في نهاية
فترة الأربعين الأولى وقد أوضح
علم الأجنة الحديث أن الغدة
التناسلية تكون غير متمايزة قبل
الأربعين ، وبالتالي لايمكن
معرفة جنس الجنين إذا سقط في هذه
الفترة بتشريح الغدة التناسلية
، ولايمكن معرفة جنسه إلاّ بفحص
الكروموسومات فإن كانت ( XX ) كان
الجنين أنثى ، وإن كانت ( XY ) كان
الجنين ذكراً .
- ولهذا فإن
للجنين مستويين هامين : الأول
عند بلوغه الأربعين ، وفيها يتم
تكون الأعضاء الأساسية ، وجذع
الدماغ ، والثاني عند بلوغه 120
يوماً ، وفيها يتم تكوّن الدماغ
، وارتباط قشرة المخ بما تحتها ،
وتبدأ بالتالي عملها ، وهو
المستوى الإنساني الرفيع ، حيث
يظهر الإحساس ، والشعور ، وما
يتبعه بعد ذلك من إدراك وفهم
وذكاء ... إلخ .
- لذا فإن الفقهاء
مجمعون على حرمة قتل الجنين بعد
مرور 120 يوماً ( بعد التلقيح ) ،
وجميع المذاهب الإسلامية على
ذلك ، بما فيهم الاثني عشرية (
الجعفرية ، الإمامية ) والزيدية
، والأباضية ، ولا يسمح بالإجهاض
إلا إذا كان الحمل يشكل خطراً
جسيماً على حياة الحامل ، فتقدم
آنذاك حياتها على حياته ، وهذا
ما أخذ به كثير من الفقهاء
المحدثين من أمثال الشيخ شلتوت
والشيخ القرضاوي والمجامع
الفقهية .
المرجع : الطبيب أدبه وفقهه للدكتور زهير السباعي والدكتور محمد البار - الطبعة الثانية 1418 هـ
|